خرجت للدنيا ولم تختار جنسك ولا لون بشرتك .. وتفتحت عيناك على أب وأم لم تستشار فيهما .. ونطقت بلسان ولغة لم تفضلهما عن غيرهما !!
وولدت فى زمن أُجبرت عليه .. ووطن فُرض عليك .. وفطرة أُلزمت بها !!
بل أزيدك خُلقت انسان وليس أى شيئ آخر .. !! فأين حريتك إذا يا مُدعى
التحرر ؟! وكيف سولت لك نفسك التمرد على خالقك وادعائك القدرة على فعل أى
شيئ .. وأنك غير مدين لأحد ولست ملتزما بأى شيئ ؟! على الرغم من عجزك
الظاهر أمام قدرك و رزقك و أجلك ؟!!
كـــارثــــــــة !!.. قطار يخرج عن القضبان فيقتل ويصيب العشرات
...؟!!! انها حقا كارثة وخبر مفجع أستفتح به يومى هذا الصباح ..!! قطار
يخرج عن القضبان ؟ فيتسبب فى كارثة بل كوارث لركابه والمنطقة التى انقلب
فيها !! لا حول ولا قوة إلا بالله ..
أفكار كثيرة وتساؤلات ؟ من المتسبب فيها ؟ومن المسئول عن الذى قُتل ومات ؟ ..
و تتدافع الأفكار تلو الأفكار و تأخذنى بعيدا عن جو الحادثة وماوقع فيها
إلى التفكر فى الحكمة من ورائها ، وما يمكن ان ترمز له تلك الحادثة عند
التبصر فى أبعاد الكون الفسيح ، والتمعن فى آياته ، وما يحمله القطار من عبر و رموز ودلالات ؟!!!
هل أنت فعلا حـر ؟!..
وان كنت كذلك فهل تتفرّد عن سائر المخلوقات
بحريتك هذه ؟!.. ألا يوجد فى هذا الكون الفسيح من أفلاك ونجوم .. ودواب
وطيور .. وأشجار وزهور من يتمتع فيه ويتنعم بحريته مثلك ؟!...
الاجابة قد تكون على غير ما تتوقع ........... نـعــم يـــوجــد!! بل أن الكون كله
بمخلوقاته مثلك أنت أيها الانسان تمتلك قدرا ما من الحرية !! سواء كانت فقط
عند نشائتها ، أم استمرت معها طوال حياتها إلى مماتها ، مع العلم انها لا
تعدو أن تكون حرية المخلوق التى تظلّها على الدوام ارادة الله ومشيئته ، ولن تخرج ابدا عن حدود وظيفة العبد وخلقته ..
ماهو أول و أهم قانون وضعه الله عز وجل لهذا الكون ؟!! ..
وما علاقة هذا
القانون بالتقدم التقنى عند الغرب ، و فشل المسلمين وتخلفهم الحضارى اليوم
؟!!! ....
------
( إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا
.. فأتبع سببا )
نعمل لنحصل على المال .... ونجتهد لننجح .. ونزرع فنحصد
فنصل بالأسباب إلى ما نحب ، و وضع الله لكل شيئ أسبابه ..
ولـكـن الســــؤال ؟ هل كل من أتى بالأسباب يظفر حتما ولابد بالمطلوب ؟!! ..
هل كل من زرع حصد .. أو أجتهد نجح .. أو عمل عملا أياً كان حصل على المال ؟!!! ...
هل يتسأل الظمأن عن الماء ونقاءه فى لون الكوب الذى أمامه ؟!! ..
هل يستشعر تغير طعمه أو يرى قذارة الكوب من شدة عطشه ؟!! ..
الظمأ للدنيا أشد وأقسى للبعض من الظمأ للماء ، فماء الدنيا مالح ، كلما تجرعه هؤلاء إزدادوا له عطشا وحرقة ...
للصبر قيمة كبيرة فى دين الله فهو يُعد بمثابة نصفه ، على إعتبار أن الشكر هو النصف الآخر ..
وإذا تفقدنا كتب العلم وبسطنها أمامنا لنبحث عن معانيه سنجد للصبر فيها معانى كثيرة ،
ولكن يمكنّا اختزالها إجمالا فى ثلاثة معانى واضحة لا لبس فيها ،
حبس النفس عما تتمنى ، وتحملها ما يشق عليها ، وآخيرا ثباتها على الحق رغم المصائب ..
أى بالمصطلحات الفقهية :_ الصبر عن المعاصى ، والصبر على الطاعات ، والمعنى الشائع لدى العامة إلا وهو الصبر على البلاء ....
كتير ما نسمع كلمة ( ده راجل واصل ماحدش يقدر يكلمه )
أو ( ده عنده عزوة
)
أو ( اللى ليه ظهر مايضربش على بطنه ) .. إلخ .. كلها كلمات تطلق فى
الآخر على مجموعة من المنتفعين يحتمون دائما وراء مناصبهم أو أموالهم أو
معارفهم أو أى شيئ آخر !!
فإن كان هذا وصف الناس لهم ، فبما وصفهم المولى عز وجل ووصف حقيقة قوتهم ونفوذهم ؟؟
( مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون ) ...
أن لا يشاركك الآخريين أرائك .. طبيعى فهكذا هى الحياة ..
تلبس ما تشاء ،وتأكل ما تشاء، تحب وتكره ما تشاء ،فالحياة تسعنا جميعا ومليئة بتنوعات مختلفة من الروئ و المشاعر والأفكار ....
وإذا ابتعدت قليلا عن دائرتك الضيقة من بنى جنسك ، ونظرت للكون الفسيح
الممتد من حولك ،أينما نظرت ستجد الاختلاف والتنوع فى كل شيئ ،من كائنات
ومخلوقات وجمادات تختلف فيما بينها أَيّمَا اختلاف فى الخلْقة والشكل
والوظيفة والعمل !!!
ولكن تنبه فهى مع اختلافها هذا ستظل دوما كما هى ؟! بمعنى ..سيظل الأسد ما عاش الدهر أسدا ، وسيظل الحمار حمار ؟!!!!
ولا يزالون مختلفين ..
هكذا خُلقنا .. فالله أعطانا حرية الاختيار،
ولو سلب منا تلك الحرية لما اختلفنا ، فاختلافنا دليل واضح وصريح على
تمتعنا بالحرية الكاملة..
( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين )
فالناس ليست دُمَى تتراقص فى مسرح العرائس ،ونسخ متكررة ، بل كل منا كائن
له أحاسيس ومشاعر واختيار وإرادة ، واختياره حتما سيدفع ثمنه ،ويتحمل
تبعاته ،ويتحدد به مصيره الأبدى عند ربه ..
مع الوضع فى الحسبان بأن إرادتك لن تخرج أبدا عن مشيئة الله فيك ، فكل شيئ
فى هذا الكون مخلوق ، فأفعالك مخلوقة خلقها الله تعالى كما خلقك بالضبط
(والله خلقكم وما تعملون) !!
وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن (وما تشاءون إلا أن يشاء الله ) .
ولا يزالون مختلفين ....
ولازال للحديث بقية ..ومن أكرمه الله
بالتعرّف على شيئ من حكمته فقد نال فضلا عظيما (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك
فليفرحوا هو خير مما يجمعون)
انشغلنا بنِعم الله تعالى عما خُلقنا من أجله ،من التعرّف عليه بأسمائه وصفاته وتدبر الحكمة فى أمره ..
فكم من الخلق فارقوا الدنيا وذهبوا ،ولم يدركوا عن معنى الحياة شيئا ولِما خُلقوا !!!
( من يُرِدِ الله به خيراً يفقهه في الدين ) حديث ..( ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا )
يتبادر إلى الذهن سؤال أعتقد أنه مرّ على الكثير منا ؟! لماذا خلق الله
الأشقياء ؟!! ولكى نكون أكثر صراحةً ووضوحا لما خُلق ابليس ؟؟!! سؤال شائك
بالطبع يجعلك تستعيذ بالله لمجرد وروده فى ذهنك وتنصرف سريعا عنه بفكرك
؟!!!!
ولكن .. تمهل !! ففى ذلك خيرٌ كثير فتمعن وتدبر ؟!!
المرأة ينبوع الحنان والمودة ... ولا يُتصور أبدا أن يوجد بيت بدون أم
أو أخت أو بنت أو زوجة.. ولا رجل فى مكان وليس فى حياته امرأة ، تملئ قلبه
بالحنان والدفء والمودة ..
( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة )
هكذا تتنزل الرحمات الالهية فى أن جعل لأنفسنا أزواجا نسكن إليها .. فالبيت مَخْدَع الأبدان وراحتها ، والمرأة فيها مهجة القلوب وسكينتها ..
لـمـاذا لا نــرى ربــنــا ؟!! لماذا حجب عنا عزّ وجلّ رؤيته فى الدنيا
؟!!! لما عُدَّ متعديا مستحقا لأشد العذاب كل من قام بنحت تمثال له أو صورة
!!! ..
الإله المُعاين المدرك بالحواس الجسدية مفضل عند أغلب الناس عن إله لاتدركه الأبصار..!!
انظر الى البشر فى كل مكان وتوجه ببصرك يمينا ويسارا ،
انظر للهند وبورما وما بعدهما ، كم نصبوا من آلهة وملئوا بها الطرقات، وزينوا بها الجدران ،وقدسوا الحجر والبقر !!! ..
ثم انظر يسارا لأكثر البلدان حضارة وتقدما وكيف ذهبوا فى هوسهم برؤية
إلههم بعيدا ، أن جسدوه فى صورة انسان ، وجعلوا من ألة الصلب والتعذيب شيئا
مقدسا !!!!
ثم انظر جنوبا وشمالا .. بل تعال وانظر هنا كيف لايزال
بيننا من يقدس الأموات ، ويطوف حول المقامات ، ويشدّ الرحال للعتبات
المقدسة !!!!!!
( قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ) فتنة
من لم يُقْدِّر الله حق قدره ؟! فالتوحيد كان عند هؤلاء القوم أن يكون إلههم
أمامهم نصب أعينهم ، يتمسحون به ، ويطوفون حوله !!! بخلاف المشركين الجهلة
الذين تعددت الآلهة عندهم ؟!! أى المشكلة فقط تكمن فى التعدد !! والتوحيد
عند قوم موسى هو توحيد الأوثان فى صنم واحد ؟!! ....( اخناتون ستايل )
لذا سيظل السؤال قائما مادامت الدنيا ، وسيهلك فيه اللاحق كما هلك فيه من سبق !! لما لا نرى ربنــــــــا ؟؟؟ ....
----